"اللهم كَثِّر حُسّادَنا"… حين يتحوّل نجاح المغرب في “الكان” إلى مرآة لفشل المنافسين


في خضمّ ما رافق خروج بعض المنتخبات من كأس إفريقيا للأمم المنظَّمة بالمغرب، برزت تصريحات وتبريرات صادرة عن أصوات من هنا وهناك، خصوصًا من بعض الجزائريين وبعض المصريين، حاولت أن تبحث عن أسباب الإقصاء خارج رقعة الملعب، وأن تُسقِط فشل المنافسة على البلد المنظِّم بدل تحمّل مسؤولية الأداء والنتائج. وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة مقولة جلالة الملك محمد السادس نصره الله: «اللهم كثر حسادنا»، بما تحمله من دلالة عميقة تتجاوز ظاهر الدعاء إلى قراءة واعية لطبيعة النجاح وما يثيره من ردود أفعال.

إن هذه المقولة الملكية لا تُفهم بوصفها تعبيرًا عن شماتة أو تعالٍ، بل باعتبارها تلخيصًا بليغًا لحقيقة تاريخية: أن النجاح حين يترسّخ، يوقظ الحسد ويُربك العاجزين عن مجاراته. فالمغرب، وهو ينظّم تظاهرة قارية كبرى بمعايير شهد لها القريب والبعيد، لم يقدّم مجرد ملاعب وبنية تحتية متطورة، بل قدّم نموذجًا في التنظيم، والضيافة، والأمن، والاحتراف، جعل من “الكان” واجهة مشرقة للقارة الإفريقية.

غير أن بعض العقليات، حين تعجز عن المنافسة داخل المستطيل الأخضر، تلجأ — بقصد أو بدونه — إلى تصدير فشلها نحو الخارج، فتفتّش عن شماعات جاهزة: التحكيم، الأرض، الجمهور، التنظيم، بل وحتى “النوايا”. وهنا يتحوّل الخطاب من تحليل رياضي موضوعي إلى تبرير انفعالي، لا يخدم المنتخبات المعنية بقدر ما يفضح أزمة في تقبّل الخسارة والاعتراف بالتفوّق.

إن تحميل البلد المنظِّم مسؤولية الإقصاء هو في جوهره هروب من النقد الذاتي، ومحاولة لإعادة صياغة الهزيمة في قالب المؤامرة أو الظرف الاستثنائي. بينما الحقيقة البسيطة، التي لا تحتاج إلى كثير عناء، هي أن كرة القدم تُحسم بالأداء، بالجاهزية، وبحسن التدبير التقني والذهني، لا بالمزاعم ولا بالانفعالات الإعلامية.

من هذا المنطلق، تتجلّى حكمة المقولة الملكية: فكلما تقدّم المغرب خطوة إلى الأمام، وكلما راكم إنجازًا أو نجاحًا، إلا وارتفعت أصوات الحسد والتشكيك. لكنها أصوات — مهما علت — لا تغيّر من الواقع شيئًا، بل تزيده وضوحًا: أن المغرب يسير بثبات، وأن نجاحه صار مرآة تعكس عثرات غيره.

وفي الأخير، فإن الرياضة، كما يفترض فيها، يجب أن تبقى فضاءً للتنافس الشريف، والاعتراف بالنتائج، واحترام الجهود. أمّا تبرير الإخفاق عبر النيل من البلد المنظِّم، فلن يصنع مجدًا ضائعًا، ولن يُخفي حقيقة واحدة: أن من لا ينجح في المنافسة، يبحث غالبًا عن خصم خارج الملعب. وهنا، مرة أخرى، تصدق المقولة: اللهم كثر حسادنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جريمة التشهير في القانون الجنائي المغربي

المحاماة بين الصورة النمطية والحقيقة المهنية