المحاماة بين الصورة النمطية والحقيقة المهنية
من خلال اختلاطي اليومي بالمحامين، وكوني أنتمي إلى هيئة المحامين بالدار البيضاء، وهي من أكبر الهيئات على الصعيد الوطني وتضم عددا كبيرا من الزملاء والزميلات، تكوَّن لدي يقين راسخ بأن الغالبية الساحقة من المحامين والمحاميات يحملون همّ العدالة قبل أي اعتبار آخر، ويتمنون بصدق أن تعود الحقوق إلى أصحابها، وأن ينتصر القانون على كل أشكال الظلم والتعسف.
لقد لمست عن قرب أن المحامي الحقيقي يحتقر الرشوة أينما وجدت، وينأى بنفسه عن كل ممارسة مشينة تمس شرف المهنة وكرامة بذلتها، لأن المحاماة بالنسبة له ليست وسيلة ارتزاق، بل رسالة ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة قانونية. وهو لذلك لا يتردد في استشارة زملائه، والبحث المشترك عن الحلول القانونية السليمة، والاجتهاد في الترافع، والدفاع عن موكليه شفويا وكتابيا بإخلاص وتجرد، وفي حدود ما يسمح به القانون والضمير المهني.
ولا يمكن إنكار أن هناك قلة قليلة، معدودة على رؤوس الأصابع، تسيء إلى نفسها أولا، ثم إلى بذلة المحاماة التي يفترض أن تظل رمزا للنزاهة والدفاع عن الحق. غير أن تعميم هذه الحالات الشاذة على عموم المحامين ظلم بيّن، خاصة إذا علمنا أن حجم الفساد في مهن وقطاعات أخرى قد يكون أوسع وأعمق، دون أن يسلَّط عليها الضوء بنفس الحدّة أو القسوة.
إن المحامي غالبا ما يُستهدف، لا لأنه فاسد، بل لأنه يقف في وجه هدر الحقوق، ويزعج من اعتادوا الإفلات من المساءلة، فيتحول في نظرهم إلى “عدو” يجب تشويه صورته والنيل من مصداقيته. والحقيقة أن قوة أي مجتمع تقاس بمدى احترامه لمحاميه، لأن المحامي هو صوت القانون حين يُراد إسكات الحق، وهو السد الأخير أمام تغول الظلم.
ومن هنا، فإن إنصاف مهنة المحاماة لا يكون بالشعارات، بل بالاعتراف بدورها الحقيقي، وبالتفريق بين من يسيء إليها وبين الأغلبية التي تشتغل في صمت، وتجتهد يومياً من أجل عدالة أعدل، وحقوق لا تضيع، ودولة قانون تستقيم.
تعليقات
إرسال تعليق